الحوار نُشر في جريدة ( الدستور ) المصرية بتاريخ 2017/3/26م
Added date : 12/31/2017 10:26:33 AM

اللوحة هى فعل مؤجل للتحقق 
للفنان هزائمه وانكساراته.. ولكن تظل مؤقته
ما زالت السلطة السياسية غارقة في مجونها وفي سطحيتهاالمبتذلة

الصحفي خالد حمّاد *
لاغنى عن الدهشة والغرائبية والتجريب عن القفز إلى روح المكان والوقت، لخلق ما يضاهي ذلك في قلب عالم اللون وصدر صفحة اللوحة ، فالفن لا يصبح فنا دون ركيزة أساس. وهي ان يلكز الروح ويشغّل العقل بالتفكير وطرح التساؤل عن ماهية ما يجري داخل إطار تلك البراويز وخارجها . حتما كل شئ معلق بالإشتباك والرهان علي الوقت للنفاذ الي قلب وروح عالم الفنان. "لكن ولان العمر قصير والفن طويل"جوته ، يبقي شئ ماعن الفن وضرورة وحتمية دوره في. الاشتباك. مع كل مايحيط بِنَا من إشكاليات.ورهانات واقعنا والمستقبل ، و تعد تجربة ورحلة الفنان الليبي عادل فورتية محملة وممتلئة بهذا الطابع من الانشغال بالتدرج والاشتباك مع مدارس الفن قد يمها وحديثها ، يبدوان القفز بعيد عن التنميط والقولبة هوعالم فورتية الخاص جدا والمشبع بالتراث الصوفي في كثير من الاحيان ، فالفن لديه هو ان يجبرك ويحرضك ان تقرأ اللوحة بكل مافيها من رعبة وشجن وغضب وحزن وفرح.


عن البدايات يحدثنا فورتية بأن الاتجاه إلى الفن ... قرار فردي ، لكنه لا يخلو من الترتيبات والخلفيات التى نشأ فيها ، بمعنى أنه كان محظوظا نوعا ما "على حد تعبيره "، فلقد نشأ فورتية ببيت مثقف بالعموم ، الأب كان خريج جامعة الأزهر، وهو مثقف وملم بالأبعاد الفكرية الثقافية والإجتماعية ، العائلة كانت سندا ، وسندا قويا وداعما مباشرا أحيانا. لذا تفتحت مداركه علي هذه السياقات مبكرا، حيث المكتبة الكبيرة جداً تضم كل أنواع الكتب تقريبا من فلسفة وعلم اجتماع وسياسة تشغل حيطان البيت.


وعن ضرورة أن يكون الفنان مثقفا ، يقول "فورتية" ليس بالضرورة ، لأن هناك اتجاها يسعى لإبعاد الفنون عن التعقيدات الفكرية أحياناً، لكنني لا أعتقد بأن الفندون ثقافة قادر على أن يقرب المسافة بين المتلقي والفنان بالعموم.


أعتقد أن الثقافة مهمة ورافدٌ أساسي للفنان وقد تبسط له المواضيع أحيانا، والفنان بدون ثقافة عرضة للوقوع في مصيدة ( الفطرية الساذجة ). فلا بد للفنان أن يمتلك رءوية للعالم من حوله ، وهذا لن يتأتي إلا بوجود ثقافة.


يبدوأن ثمة مشروعية للفوضى والتمرد، ماذا عن قدرة الفنان على المواجهة والانفلات والتمرد وكيف يمكن تحقيقها وممارستها في كل هذة السياقات ؟ يؤكد "فورتية أنه لا يؤمن إلا بمشروعية الفن القادر على مؤازرة الإنسان في كل زمان . وأساليب المواجهة تختلف عبر الأزمان. نحن نعيش في عالم مختلف بعض الشيء والعالم تجاوزمستويات الحداثة وما بعد الحداثة والحداثة الفائقة. ونحن نعيش الآن في عصر الثقافة الإلكترونية وتقريب المسافات بين البشر.


الفنان العربي ، يقترب كثيرا من حالة الانسان العربي وهو لا ينفصل عنه ، وكل تلك الضغوطات التي تقع على عاتق ذلك الانسان هي ذاتها تقع على الفنان، لكن الميزة التى يمتلكها الفنان انه قادر على تكثيف إحساساته وتنويع أفكاره والانتقال بقراءاته بين عوالم مختلفة وبالتالي تكمن حالة انفلاته من خلال كل تلك التنويعات.


بمناسبة أننا نعيش عصر الثقافة الالكترونية. هل تري انها لعبت دوراً في قطيعة معرفية بينا والآخر البعيد. وجعلت المعرفة مشوهة وممزقة وأنتجت ثقافة سطحية فغُيّب النقدالحقيقي ؟

ينفي فورتية ذلك ليشير ربما يكمن ذلك في شيوع تلك الثقافة بين البشر ، فأصبحت القضية مرتبطة بالغالبية وغير مرتبطة بالثقافة احيانا ...
هذا يأخدنا لراهن المشهد الثقافي العربي، فالبعض يري أننا صرنا شعوباً تفتقد إلى الثقافة البصرية. شعوب قتلها وأبعدها الهم اليومي عن النظر الى الجمال، وتفكيك المشهد والتعاطي معه. اليوم الفنون التشكيلية هي فن النخبة وندوات الشعر للشعراءوأصدقائهم. ...الخ كيف تري هذة الحالة وهل مهمة الفنان والشاعر. فقط هي الرصدوالنقد دون الاشتباك ببدائل وحلول ؟ يجي نطقة الآن تناضل على كلا الجبهات والأصعدة سواء في السياسة ام الاقتصاد ام في الفنون. ربما سيظل جانبا من الفنون نخبويا ، هذا أكيد ، لكن لا يلغي الفنون الأخرى كالفنون الشعبية والفلكلورية مثلا.


مجتمعاتنا العربية تتحرك الآن ، وثمة حراك غير مسبوق، ربما هناك من يرى أن هذا الحراك محصوربالسياسة لكن بالتأكيد لا، فالحراك يشمل كل المستويات .. الفن ايضا يتحرك ويتغير وحالة الجمود والاستاتيكية التي كانت قد عمت منطقتنا العربية السنوات الماضية بدأت تنزاح وتختفي.


وعن سؤالنا هل المثقف العربي منتج أم هو كائن استهلاكي متورط كبقية أفراد مجتمعاتنا في التسويق للتغريب بشكل أو بآخر وهل اذا نظرنا للثقافة العربية والفنون كونها سلعة تنافسية هل هي رائجه ام أنها تعاني الركود؟


هذاجانب آخر ... بالتأكيد نحن لا تزال نفتقد للمشاريع المؤسساتية ، ولا يزال معضمنا يتناول القضايا بسطحية وابتذال احيانا|، لكن ذلك لا يمنعنا من التأكيد أن المثقف والفنان العربي فنان منتج ومنتج لثقافة وأدب راقٍ جداً يضاهي الآداب والثقافات والفنون العالمية لكن بنكهة وروح شرقية.
وثمة نموذجة حاضرة في مجالات الفنون الأدب الفلسفة والفن .. نقول عنه أن هذا منتجنا ،وهنتك أسماء بارزة فى المشهد الثقافي العربي مثلاً اسم ابراهيم الكوني في مجال الرواية. العربية.سعدي يوسف وأدونيس في مجال الشعر .... كذلك محمد عابد الجابري ومشروعه التنويري للعقل العربي خاص بالفلسفة ، ومحمد آركون أيضاً. والانتاج مرتبط بالمشروع وأهميته في تقليب التربة والمياه الراكدة. أيضاً لا ننسى الفنان أحمد جاريد من المغرب ,والفنان القاسمي وبلكاهي ، والفنان سامني بن عامر من تونس.


ماذاعن الحمولة المعرفية المرتبطة بالصوفية والتى تشغل الفضاء الفنى ل فورتية ، ورؤيته للقضايا الكبرى (الثورة ، المراة ، الشعر ) والوشائج التى تجمع بينهم ؟ يلفت "فورتية " الى أن التراث الصوفي ثراث عميق ومكثف وأعتقد أن المثقفين العرب مقصرون جداً في دراسة وقراءة هذا الثرات, رغم عديد القراءات التي تناولت ذلك....أنا أنطلق من مقولة ( إذا اتسعت الرؤية , ضاقت العبارة ) وهي مقولة للتوحيدي والعبارة التي أمسك بها هي ( اللون ) ...هنا أمتلك عالمي الذي يبدأ من رؤيتي للوجود ككل متناسق . ما في العالم إلا اللون، واللوحة عندي مشروع لا يكتمل بمجردالانتهاء داخل الاطار. بل هي قراءة تلو قراءة وحدث يسابق حدثاً آخر هكذا بدون توقف. اللوحة أيضاً هى فعل مؤجل للتحقق بمعني أن اللوحة لا تُظهر مكنوناتها فى  الآن اللوحة تتنفس شعراً وفلسفة وأدباً وسياسيةً أيضاً .


وعن المرأة يشير فورتيه الى انه هي إيوان القصيدة وإكسير الوجود. هي متلازمة لوحاتي وإن كانت مخفية. المرأة أيضاً هي الثورة، هي الحرية , في ثياب فضفاضة ،هزائمنا مع المرأة تعني هزائمنا في الثورة. لا ثورة دون أن يكون عطر المرأة يفوح منها، هكذاربما أرى قضاياي الكبرى .


كان" أدونيس " يردد ( يفتح الشعر ... ما تغلق الدائرة ). وفي السياقوليعذرنا شاعرنا الكبير أن أستعير مقتطف قصيدته لأقول - يفتح الفن ما تغلق الدائرة ... 


ديكتاتورية الفن
يقول الناقد "على الراعى " أن لا ديمقراطية مع الفن ولا يمكن الا ان يكون الفنان سوى ديكتاتورا , الى مدى تتحقق هذه المقولة على عادل فورتية ؟ يجيبنا "فورتية " بان لا يمكن للفنان ان يكون ديمقراطياً في الفن. لأنه بمجرد اتخاذة قرار إنجاز لوحة فإنه يدخل فى صياغة قرارديكتاتوري  بامتياز , فاللوحة إماأن تكون أو لا , ولا مكان للمجاملة هنا. فالفراغ جمهورية الفنان , وهو الوحيدالقادر على اتخاد قرار بشأن فعل ما.

 ...التجريب 
يبدو ان فورتية يسعى دائماً بالابتعاد عن التنميط اوالقولبة. لايمكن مثلا تصنيف مايقدمة لمدرسة فنيه بعينها. دوما ثمة قفز وركض على نحو بعيد عن التنميط. وقد يبدو كانه ثمة رفض لفكرة الاخلاص لمدرسة فنية بعينها والمزج بين كل المدارس كيف تنظر الى هذا ؟أنظر له بنظرة المحاولة لأكتشاف العالم مرة تلو الأخرى , الفن بالنسبة لنا لا يقبع ولايتأطر فى حدود اللوحة. فعل اللوحة فعل خارج عن الزمن المعيشي. هو زمن وجودي بامتياز . الانتقال هنا انتقال بين مكنونات ومفردات تشكيلية تنمو وتتعايش بيننا.والسطح كذلك هو سطح متغير. ينبغي التعامل مع المتغير والمتحول في الفن على أساسالانتقال المستمر. وهذا ما نتوافق عليه تحت مسمى التجريب.


وعن هل هذا يمنع الانتماء لمدرسة فنية بعينها ام ماتبغية هو الانفلات من القولبة والتمرد على المدارس الفنية بخلق خط وشكل يعنى ويميز فورتية ؟ يؤكد فورتية على أن الركون الى مدرسة بعينها فى الفن هو تورط فى البقاء. وهنا مكمن الخطورة فى الفن بمعنى أن الفن سعى مستمر للخروج من التنميط او هو "محاولة للوقوف رغم كل محاولات السقوط " كما كان يردد الفنان بول كلي.


ففى البدايات ينبغي للفنان أن يلتزم لنفسه مسار مدرسة معينة، لكن بعد ذلك تحتم عليه تجربته أن يقفز الى المجهول , أن يخرج من شرنقته. الفنان كائن مغامر , العالم بالنسبة له مفعم ومكتنز وعليه أن يتحرك ضمن كل هذه المكتشفات بروح متمردة وقادرةعلى اختزال المفيد وأيضاً إلتقاط شوائبه.

يعيش فورتية تجربةخاصة الان "قاعة رمل " لماذا الان وماهى ملامح خصوصية ماتقدمة لجمهورها وما الذي دفعك الى القيام بهذه التجربة


قاعة رمل هي مشروع فني من اهم اهدافه نشر الثقافة البصرية والسعي لاحتواء المواهب الشابة. وهو مشروع جماعي معي انا والفنان عمر جهان والفنان عدنان معيتيق. لكن للاسف وككل المشاريع توقف الان لظروف اقتصادية بحتة وكذلك حالة البلد فى الوقت الراهن صعبة جدا.


ملامح خصوصية ما قدمته قاعة رمل على مدى 6 معارض، كان فى اعتقادي هو جرأتها فى اقحام المتلقى وترغيبه في زيارة المعارض التشكيلية. خاصة وأننا هنا ف ليبيا نعاني جداً من الفقر البصري ومن الثقافة البصرية عموماً.


هل تكفي آسف لأن تعلن عن مدى الانزعاج الذي يشغل المشهد الثقافي العربي نتيجة التوقف والشطب هل هذا يكفي لان يواجه الفنان العالم ؟

وهل يمكن للفنان مواجهة الحرب والظروف البائسة ؟ يلفت فورتية الى ان للفنان هزائمه وانكساراته , ولكن تظل مؤقته. نحن نعيش فى عصورانحطاط بامتياز وما تكشف من روح الجاهلية وعموم الشر القابع في ذواتنا ما هو الا دليل على هزائمنا أمام الحياة . الفنان فى مواجهة دائمة مع الحرب لكن مواجهته تلك تختلف، لأنه يواجه الكم من السلبيات والتفاصيل السيئة.


هل ثمة مسافة بين الفنان والمثقف والسياسي عند فورتية ؟ والى أي مدي يحافظ على تلك المسافة إن وجدت؟ وهل فى رايك انتهى نموذج المثقف الذي يوجة السياسي ام مازال حاضرا في زمن الحرب والخراب؟ والى اي مدى الغت وهمشت السلطة السياسية الفنان والمثقف فى عالمنا العربي ؟


الفنانوالمثقف بصفة عامة كائن سياسي بامتياز، لانه يمتلك عين ناقدة قادرة على التحليل والكشف. لا اجد نفسي في مسافة بين الفنان والسياسي. انا سياسي عندما تتعرض الإنسانية الى القهر والظلم والقمع، وانا فنان عندما تتاح لي الفرصة كي اكشف كل ذلك الشر داخلنا.
لاأميل للمفهوم ( الميكافللي ) في السياسة بل أحبذ المفهوم ( الكانطي ) نسبة للفيلسوف ( كانط ) والذي تنبع السياسة عنده من مفهوم الواجب تجاه الآخر وكيفية المحافظة عليه. أيضاً أنا من مناصري الفيلسوف ( ليفيناس ) وتحمله قضية الآخر كوننا مسؤولون عنه من خلال ما نراه في ذلك ( الوجه ) الحامل للوجع الإنساني. وفي المجمل ساظل حاملاً لذلك الوجع. وجع الانسان ووجع العالم تجاه قضاياه الكبرى .


وبالمناسبة قدمت مجموعة من الاسكتشات أسميتها ( وجع ) كانت خلاصة لما قلته. السلطة السياسية في مجتمعاتنا العربية تابعة للجماهير أي تابعة للوعي الجمعي. وما لم تتخلص السلطة السياسية من هذه التبعية ،ستظل غارقة في اليومي والمعيشي ولن ترتقي الى طموحات المستقبل. وبالتالي فان التهميش الذي تمارسه السلطة السياسية للفنان والمثقف إنماهو تهميش للتنوير والتمدين والانفتاح على الآخر. وعلى ذلك كانت ولازالت السلطة السياسية غارقة في مجونها وفي سطحيتها المبتذلة. وهو ما نشهده وما شهدناه حتى الان في مجتمعاتنا العربية .
أناكما ذكرت لا أحبذ السياسة في مفهوما الانتهازي، وللأسف هذاالمفهوم هو السائد في العالم فى زمننا الحاضر. وعلى ذلك تظل حالة المواجهة موجودة وحاضرة بين المثقف والسياسي في إطار ( المنهج ) المخصص لكل منهما. وهناك نماذج كثيرة تمثل ذلك،يحضرني في هذه اللحظة عبد الوهاب المسيري وادوارد سعيد ك وغيرهم الكثير.


 ...راهن المشهد التشكيلى 
يختم ضيفنا برؤيتة عن راهن المشهد التشيكلي في ليبيا ويشير الى" ليبيا" لاتزال الحركة التشكيلية فيها تحبو بمعني ان هناك تجارب تشكيلية مهمة جداً استطاعت ان تجد لها مكاناً متقدما
 على الساحة العربية بعمومها ، لكن على المستوى المؤساتي هناك بالتأكيد عقبات كثيرة ، أهمها في نظري كيفية صياغة مشروع متكامل ورؤية واضحة عما يستطع تقديمه الفنان لمجتمعه. أو كيف يمكن خلق تواصل ما مع المتلقين من الجمهورالمثقف بصرياً وتشكيلياً، وهذا بالتأكيد يتطلب اعترافاً معنوياً ومباشراً بأهمية دور الفنان داخل المجتمع ، وأيضا السعي لفتح مساحات تتضمن قاعات عرض عامة وخاصة ،حتى تستطيع التواصل مباشرة مع متذوقي الفنون.

 

 
 

All Rights Reserved For Adel Fortia ©2018