عادل الفورتيه محسوسات تتفسخ ,فضاء يتشكل
Added date : 10/2/2015 12:51:31 PM

- نشر في جريدة " الحياة " 2014م

* منصور بوشناف , ناقد فني وأديب من ليبيا

كان اختزال المشاهد في كلمات , المشاهد بزمنها ومكوناتها ,باحاسيسها وتداعياتها لعبة التجريد الانسانية الهامة , كان تحويل الكتلة بمكانها وزمانها والاحساس بها الى اصوات تتشكل في الفراغ, اختزال المشاهد بتصويرها على سطح لتخليدها وادامتها في الزمن , لعبة الخلق الانساني التي مارستها مخيلة تتكون وتخلق كونا اخر غير المحسوس الذي نلمس ونرى , فما نرى ونحس قابل للتفسخ والفناء .

الفنان عادل الفورتية ينتمي لجيل عاش حقبة انهيارات كبرى , انهيار اوطان وانهيار معان وانهيار فلسفات وتفسخ لكل شيء وكان عليه وعلى جيله من رسامين و موسيقين وشعراء في ليبيا وبلاد العرب كلها ان يختزلوا كل ذلك على سطح لوحة مختزلة.

كانت اللوحة في ليبيا قد انقسمت الى اختزالين رئيسين هما :

ثرات مشاهد ريفية وشبه حضرية , ظهر فيها ذلك التناغم بين انسان فقير وبيئة اشد فقرا , مشاهد الكفاف والرضا !!

ومشاهد اغتراب ذلك الانسان عن مكان يتفسخ وينهار وتطلعه الى فضاء اوروبي حديث .

من كل هذا تأتي تجربة عادل الفورتية وجيله , من انهيار وتفسخ المشهدين ,تفسخ الكفاف والرضا والحداثة المغتربة , تجربة تحمل كل هذا الارث, غاضبة لانهياره ومستغرقة في اغترابة , محطمة لمفاهيمه , فهي تجريد وهي تصوير وهي لا هذا ولا ذاك , فرغم بعض الملامح المشتركة مع ذاك الارث الا انها تنجز انفصالها عنه وكل ذلك بصعوبة بالغة .

يصور عادل الفورتية انسانا يغرق في وحشة وعزلة وسط مكان لاملامح له , فكل تلك الملامح الثراتية تفسخت وتحللت من حوله ولم يبق من الامكنة الا جسده القابل للتلف والتفسخ , جسد تجرد من كل مكتسبات عصوره الزائلة, تلك المنجزات التي انجزها عبر عصور طويلة من الكد والعناء وشكلت ارثه الحضاري والذي يعود في كل تفاصيله الى "العصر الحجري الحديث " , ليتوقف هناك وليبدأ اغتراب الانسان عنه وعن العصر .اغتراب عن المحيط , عن المعمار , عن الملابس , عن الموسيقى التي ورثها دون ان ينجز بدائل لذلك الارث الذي تجمد هناك , في "العصر الحجري الحديث " .

اذن لايبقى له الا جسده , المحسوس الذي ينتصب وسط ذلك الفراغ المريع .

يلعب الرسام في تجربة عادل الفورتية دور المتلمس , الفرشاة عكوز للكشف والتبصر , والالوان بقايا روائح ودفء امكنة تتلاشى في الفراغ .

جسد وروح تتلمسه , جسد انسان مستوحش وسط فراغ لايرى ,وفرشاة تطرق الفراغ فتتشكل ايقاعات اللوحة .

يتحلل الجسد في اعمال اخرى ولا نرى الا سيحان ذلك الجسد وذوبانه في فضاء لا ملامح له , يتحول المرئي المنتصب مستوحشا وغريبا الى بحيرات صغيرة من الالوان ولالم .

الانهيار والتفسخ والوحشة والأم الاغتراب عن المكان وعن الذات , تلك كانت "تيمات " عادل الفورتية وجيل كامل من الرسامين والكتاب والشعراء الليبين عبر سنوات طويلة من القبح والانهيارات , كانت الهوية والمكان والتاريخ , وكان المستقبل , كانت كل المفاهيم تنهار , كان البصر يرتد وهو حسيرا !!

لم يتفاعل عادل الفورتية وغالبية جيله مع التصوير التزييني الذي برز لدى بعض الرسامين كمراسم "تعديد " لمناقب وجماليات الميت , بل خاض تجربة الرسم كوجع واحتراق لكل شيء ولم يتوهم قفزة "الفينيكس " الحضارية الى قلب العصر , بل ظل مخلصا لرسم احاسيس الوجع "الوجودي " الذي لم يتبق له من الفضاءات الا جسد انساني مطحون , يصور تلك الاحاسيس , ويتلمس بعكاز الفرشاة عبر الالوان عذابات ذلك الهشيم .

من ذلك الجسد والاحساس الخاص بذوبانه وتلاشيه جدولا من الوان ,تمضي تجربة عادل الفورتية نحو الوجود , من فقدان الحيز والاغتراب عن المحيط الى الذوبان في حيز اخر لم تتشكل ملامجه بعد .

 
 

All Rights Reserved For Adel Fortia ©2017